الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

79

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 71 - 73 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 71 إلى 73 ] وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ ( 71 ) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ ( 72 ) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ ( 73 ) هذه نجاة ثانية بعد نجاته من ضر النار ، هي نجاته من الحلول بين قوم عدوّ له كافرين بربّه وربهم ، وهي نجاة من دار الشرك وفساد الاعتقاد . وتلك بأن سهل اللّه له المهاجرة من بلاد ( الكلدان ) إلى أرض ( فلسطين ) وهي بلاد ( كنعان ) . وهجرة إبراهيم هي أول هجرة في الأرض لأجل الدين . واستصحب إبراهيم معه لوطا ابن أخيه ( هاران ) لأنه آمن بما جاء به إبراهيم . وكانت سارة امرأة إبراهيم معهما ، وقد فهمت معيتها من أن المرء لا يهاجر إلا ومعه امرأته . وانتصب لُوطاً على المفعول معه لا على المفعول به لأن لوطا لم يكن مهددا من الأعداء لذاته فيتعلّق به فعل الإنجاء . وضمن نَجَّيْناهُ معنى الإخراج فعدّي بحرف ( إلى ) . والأرض : هي أرض فلسطين . ووصفها اللّه بأنه باركها للعالمين ، أي للناس ، يعني الساكنين بها لأن اللّه خلقها أرض خصب ورخاء عيش وأرض أمن . وورد في التوراة : أن اللّه قال لإبراهيم : إنها تفيض لبنا وعسلا . والبركة : وفرة الخير والنفع . وتقدم في قوله تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً في [ سورة آل عمران : 96 ] . وهبة إسحاق له ازدياده له على الكبر وبعد أن يئست زوجه سارة من الولادة . وهبة يعقوب ازدياده لإسحاق بن إبراهيم في حياة إبراهيم ورؤيته إياه كهلا صالحا . والنافلة : الزيادة غير الموعودة ، فإن إبراهيم سأل ربه فقال رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ أراد الولد فولد له إسماعيل كما في [ سورة الصافات : 100 ] ، ثم ولد له إسحاق عن غير مسألة كما في سورة هود فكان نافلة ، وولد لإسحاق يعقوب فكان أيضا نافلة . وانتصب نافِلَةً على الحال التي عاملها وَهَبْنا فتكون حالا من إسحاق ويعقوب شأن الحال الواردة بعد المفردات أن تعود إلى جميعها .